العراق بعد الانسحاب الأميركي.. بقايا «تنظيم الدولة» وسلاح الفصائل يختبران سيادة الدولة

سكوب ميديا – سياسة
أنهى انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق في 30 سبتمبر مرحلة عسكرية بدأت لمواجهة تمدد تنظيم الدولة عام 2014، لكنه أبقى أمام بغداد اختبارين متداخلين، منع التنظيم من استعادة قدرته على تهديد البلاد، وإخضاع سلاح الفصائل لسلطة المؤسسات الرسمية.
وبين احتفاء الحكومة بانتهاء المهمة العسكرية وتمسك جماعات مسلحة بسلاحها، يتقدم سؤال السيادة إلى صدارة المشهد العراقي. فمغادرة القوات الأجنبية تحسم جانباً من هذا الملف، بينما يظل امتلاك قرار استخدام القوة داخل البلاد وخارجها موضع خلاف.
وأكدت وزارة الدفاع البريطانية انتهاء مهمة التحالف ومغادرة قواته، بما فيها القوات البريطانية، معلنة الانتقال إلى تعاون دفاعي ثنائي تقوده المؤسسات العراقية. وبذلك ينتهي إطار المهمة العسكرية السابقة، فيما تستمر العلاقات الأمنية مع الشركاء الدوليين بصيغ جديدة.
تنظيم الدولة.. خطر تراجع ولم ينتهِ
تدخل بغداد هذه المرحلة في ظروف تختلف عن سنوات تمدد تنظيم الدولة وسيطرته على مساحات واسعة. فقد أشار تقرير للأمين العام للأمم المتحدة صدر مطلع عام 2026 إلى أن هجمات التنظيم في العراق بلغت خلال 2025 أدنى مستوياتها، وأن الضغط الأمني المستمر حدّ من قدرته على تنفيذ عمليات واسعة.
لكن التقرير أبقى التحذير قائماً، خصوصاً من استفادة التنظيم من عدم الاستقرار في سوريا المجاورة. وقدّر وجود نحو ثلاثة آلاف مقاتل في العراق وسوريا معاً، معظمهم داخل الأراضي السورية، وهو تقدير يتعلق بالفترة التي تناولها التقرير ولا يمثل إحصاءً راهناً لعناصر التنظيم في العراق.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الاختبار الأمني يتمثل في الحفاظ على الضغط على الخلايا ومنعها من إعادة بناء شبكاتها. أما احتمال عودة التنظيم إلى السيطرة على المدن، فلا يمكن اعتباره نتيجة حتمية للانسحاب، في ظل اختلاف قدراته ووضع القوات العراقية عن المرحلة التي سبقت انهيارات عام 2014.
مهلة تسليم السلاح تتراجع أمام تعقيدات الواقع
كان انتهاء الوجود العسكري للتحالف مرتبطاً، في خطاب الحكومة العراقية، بإنهاء مبررات احتفاظ الجماعات المسلحة بسلاحها خارج سلطة الدولة. غير أن موعد الانسحاب حلّ دون حسم هذا الملف.
وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن رئيس الوزراء علي الزيدي نقل مهلة نزع سلاح الفصائل إلى يونيو 2027، نقلاً عن تصريحاته لصحيفة نيويورك تايمز. كما رصدت الوكالة مخاوف في إقليم كردستان بشأن المرحلة التالية، خصوصاً مع مغادرة أنظمة الدفاع الجوي الأميركية.
وفي الأول من أكتوبر، نقلت صحيفة «ذا ناشونال» عن كتائب حزب الله نفي التوصل إلى اتفاق لنزع السلاح مع رئيس الوزراء، وعن مظلة «المقاومة الإسلامية في العراق» عدم التزامها بجدول سياسي معلن. وفي المقابل، أعلنت الحكومة بدء العمل الجدي لمعالجة السلاح خارج سيطرتها.
ونقلت الصحيفة كذلك توجيهاً لوقف العمليات العسكرية، مع استثناء استهداف الطائرات التي تعتبرها الجماعة معادية وتنتهك الأجواء العراقية.
ويكشف هذا الاستثناء، في قراءة للمواقف المعلنة، استمرار الخلاف على الجهة التي تملك تحديد التهديد واتخاذ قرار الرد عليه. فتعليق العمليات يختلف عن تسليم الأسلحة، كما أن إعلان الاستعداد للحوار لا يثبت انتقال القرار العسكري إلى الحكومة.
الحشد الشعبي بين الوضع القانوني والسيطرة الفعلية
يتطلب تناول سلاح الفصائل التمييز بين الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة معترفاً بها قانوناً، وبين استقلال القرار العسكري لدى بعض الجماعات. فقانون عام 2016 ربط الحشد بالقائد العام للقوات المسلحة وأخضع منتسبيه للقوانين العسكرية، مع أحكام تتعلق بفك الارتباط بالتنظيمات السياسية والحزبية.
لكن الوضع القانوني وحده لا يجيب عن أسئلة القيادة الفعلية وحيازة الأسلحة والمحاسبة. ويتعلق جوهر الملف بقدرة الحكومة على إصدار الأوامر وتنفيذها، وضبط المخازن، ومنع أي تشكيل من اتخاذ قرار عسكري مستقل.
وتزامن الانسحاب مع موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون جديد يتعلق بالحشد الشعبي وإحالته إلى البرلمان، وفق «ذا ناشونال». وهذه الخطوة تمثل مرحلة تشريعية، ولا تعني بمفردها أن المشروع أصبح قانوناً نافذاً.
وأثارت الإحالة نقاشاً حول أثر التشريع في بنية المؤسسة العسكرية، بين تنظيم وضع الحشد ومخاوف من تثبيت ازدواجية القوة داخل الدولة.
نفوذ يتجاوز القوة العسكرية
تزيد المصالح السياسية والاقتصادية تعقيد ملف السلاح. فقد وثقت رويترز، في سبتمبر، مقاومة خمس جماعات موالية لإيران لمهلة التسليم، وفق مصادر سياسية وأمنية، وأشارت إلى مصالح للفصائل في البناء والعقارات والصرافة. كما رصدت توترات أعقبت توقيف مسؤول استخبارات في حركة النجباء خلال أغسطس.
وتساعد هذه الوقائع على فهم صعوبة تحويل التعهدات السياسية إلى إجراءات تنفيذية. فالخضوع الكامل لقيادة الدولة يمس أدوات النفوذ وموازين القوة، إلى جانب السلاح نفسه، ما يجعل الملف مرتبطاً بتوازنات الحكم والعلاقة مع إيران وتطورات الصراع الإقليمي.
ومع ذلك، لا تكفي هذه المؤشرات للجزم بأن العراق دخل فراغاً أمنياً شاملاً، أو بأن الفصائل جميعها تتصرف وفق موقف واحد. وما تثبته التطورات هو أن الانسحاب تحقق، بينما بقيت ترتيبات السلاح والقيادة موضع تفاوض وخلاف.
ويواجه العراق الآن مسؤولية الحفاظ على تراجع تنظيم الدولة، بالتوازي مع اختبار قدرة مؤسساته على فرض مرجعية واحدة لاستخدام القوة. وبين هذين الملفين، ستُقاس نتائج المرحلة الجديدة بما يتحقق على الأرض من ضبط للأمن وخضوع للسلاح، بعد انتهاء مراسم الانسحاب واحتفالاته.









