من «تحجيب النساء» في الصور إلى تضييق المعرفة.. التعليم في سوريا تحت المجهر.
تحذير حقوقي من القرار الأحادي

سكوب ميديا- اخبار
لم تعد مراجعة المناهج السورية محصورة بإزالة صور بشار الأسد وشعارات حزب البعث. فالتعديلات التي طالت صور النساء والأعمال الفنية، وما سبقها من قرارات مست النصوص العلمية والتاريخية والدينية، تضع السياسة التعليمية للسلطة الانتقالية أمام سؤال جوهري، هل يجري تحرير المدرسة من التلقين، أم استبدال مرجعية أيديولوجية بأخرى؟
تكتسب المسألة خطورتها من طبيعة الكتاب المدرسي نفسه. فهو معرفة تقدمها الدولة للأطفال بصفة رسمية، وتحدد من خلالها الشخصيات التي تستحق الظهور، والتاريخ الذي ينبغي تذكره، والأفكار التي يسمح بمناقشتها. وعندما تتدخل السلطة في هذه التفاصيل، فإن أثر القرار يتجاوز الصفحة إلى تشكيل نظرة جيل كامل إلى مجتمعه.
صور معدلة ودروس محذوفة
في 24 أكتوبر 2026، أعلنت منصة «تأكد» أنها راجعت المقارنات التي نشرها الصحفي محمد السلوم، وطابقتها مع نسخ رقمية قديمة وأخرى رقمية ومطبوعة من الكتب المعتمدة والموزعة على الطلاب.

(المصدر: متعدد)
ووفقا لمراجعتها، شملت التغييرات إعادة إصدار كتاب الدراسات الاجتماعية للصف السادس، المستند إلى إصدار العام الدراسي 2012-2013، مع حذف مواد مرتبطة بالنظام السابق، ودروس تتناول الإدارة المحلية والحياة السياسية والمواطنة والإعلام والمشاركة الديمقراطية.
وامتدت التعديلات إلى طمس صور نساء وأطفال، وإضافة الحجاب إلى شخصيات نسائية، وتغطية صور تماثيل واستبدال لوحات فنية. كما وثقت المنصة تغييرات مشابهة في كتب لصفوف أخرى، ولاحظت أن شخصية طبيبة ظهرت محجبة في صفحة، بينما بقيت دون حجاب في صفحة أخرى.

(المصدر: متعدد)
هذا التفاوت لا يكشف وحده طريقة اتخاذ القرار داخل الوزارة، لكنه يضعف تفسير التغييرات باعتبارها مراجعة تربوية متماسكة. فالمعيار التعليمي يحتاج إلى أهداف معلنة وتطبيق منسجم، خصوصا عندما يتعلق بصورة النساء في المجتمع.
الاعتراض على الإكراه لا على الحجاب
وجود المرأة المحجبة في الكتب تعبير مشروع عن المجتمع السوري. لكن إضافة الحجاب إلى صورة امرأة كانت غير محجبة تختلف عن تمثيل التنوع، لأنها تعيد صياغة الشخصية لتوافق مظهرا تختاره الجهة التي تراجع الكتاب.
هنا ينتقل السؤال من اللباس إلى الحرية. هل تعرض المدرسة أنماط الحياة المختلفة بوصفها جزءا من المجتمع، أم تقدم نمطا واحدا باعتباره الصورة التي ينبغي تصحيح الآخرين على أساسها؟
والرسالة التي قد يتلقاها الطفل لا تحتاج إلى أمر مكتوب. فإخفاء صورة أو تعديلها يمكن أن يوحي بأن ظهور المرأة مقبول بشروط، وأن الاختلاف في المظهر مشكلة تستوجب المعالجة. وهذا استنتاج تربوي من طبيعة التعديل، وليس إثباتا لصدور قرار عام بفرض الحجاب على الطالبات.
جدل بدأ قبل الصور الأخيرة
تعود جذور الأزمة إلى مطلع يناير 2025، حين نشرت وزارة التربية تعديلات أثارت اعتراضات على تجاوز إزالة تمجيد الأسد إلى تغيير مضامين دينية وعلمية وتاريخية.
وفي مقابلة مع «الجزيرة نت» بتاريخ 6 يناير 2025، دافع وزير التربية آنذاك نذير القادري عن الإجراءات، ووصفها بأنها محدودة، وقال إن لجنة درستها، مؤكدا استعداد الوزارة للاستماع إلى الاعتراضات ومراجعة الخطأ.
ونقلت الصحيفة في التغطية نفسها اعتراض الفنانة التشكيلية ماريا سليمان على التعجل في تعديلات قد تمس المساواة والسلم المدني، ومطالبتها بلجان مختصة. كما عبر الإعلامي زياد الخوري عن رفضه مصادرة الفكر وإلغاء التاريخ.
وتناولت التغطية، ضمن التعديلات المعلنة آنذاك، حذف موضوعات عن أصل الحياة وتطورها، وتغييرات في عبارات تتصل بالإنسانية والإيمان والوطن. وهذه وقائع تتعلق بقرارات تلك المرحلة، ولا تكفي وحدها لإثبات تطبيق كل بند منها في جميع طبعات الكتب الحالية.
تحذير حقوقي من القرار الأحادي
في مايو 2025، اعتبرت منظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» أن تعديل المناهج اتخذ اتجاها أيديولوجيا أحاديا، وطالبت بتعليقه إلى حين تشكيل لجان مستقلة تراعي التنوع الثقافي والديني والإثني.
ونقلت المنظمة عن أحمد حسين، وهو مسؤول سابق في وزارة التربية، أن تطوير المنهج يبدأ بتحديد نوع المتعلم المطلوب، وهل يراد له الحفظ أم التفكير النقدي والإبداع، وهي أسئلة تحتاج إلى فرق متخصصة وأبحاث.
كما تناول تقريرها إلغاء التربية الوطنية وإدخال التربية الدينية ضمن مجموع الشهادة الثانوية. ولا يعني نقد مادة ارتبطت سابقا بالدعاية السياسية الدفاع عن بقائها بصيغتها القديمة، بل مساءلة البديل الذي يقدم للطلاب. فالتخلص من التلقين السلطوي لا يعوض الحاجة إلى تعليم مشترك عن الحقوق والمؤسسات والمواطنة.
قراءة بحثية لاتجاه أوسع
وفي 19 أكتوبر 2026، نشر معهد «IMPACT-se» المتخصص في تحليل المناهج تقريرا قال إنه راجع 130 كتابا مدرسيا للعام الدراسي 2025-2026.
وخلص المعهد، بحسب عرضه لنتائج الدراسة، إلى تحول أيديولوجي باتجاه رؤية إسلامية سياسية أوسع، مع تهميش للنساء والأقليات وحذف محتوى علمي. وتبقى هذه توصيفات بحثية منسوبة إلى الجهة التي أصدرتها، وليست إقرارا رسميا من الوزارة بنياتها. لكنها تضيف إلى النقاش قراءة تتجاوز صورة معدلة أو درسا منفردا، نحو فحص الاتجاه العام للمحتوى.
وعود الإصلاح ومسؤولية الحاضر
في المقابل، أعلنت وزارة التربية، عبر «سانا» في أغسطس 2026، اعتماد منهاج العام السابق خلال 2026-2027، وقالت إنها أنجزت المعايير الوطنية للمناهج الجديدة وتستعد لمرحلة التأليف. وقدمت توحيد المرجعية التعليمية بوصفه خطوة لتعزيز العدالة بين الطلاب.
لكن توحيد المنهج لا يضمن وحده عدالته. فالكتاب الموحد قد يجمع الطلاب على حقوق مشتركة، وقد يعمم عليهم تصورا أحاديا. وما يحسم الفرق هو المحتوى، وطريقة إعداده، وتمثيل المجتمع في لجان مراجعته، وإتاحة قرارات الحذف والإضافة للمساءلة.
ولا تؤجل وعود المناهج المقبلة مسؤولية السلطة عن الكتب التي يدرسها الأطفال الآن.
لماذا يصبح الأمر أخطر في سوريا؟
في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب والقوميات وأنماط الحياة، تحتاج المدرسة إلى بناء مساحة مشتركة يشعر داخلها الطفل بأنه مواطن كامل، دون أن يتوقف انتماؤه على مطابقته هوية السلطة أو تفسيرها الديني.
وحين تعتمد المؤسسة التعليمية تصورا دينيا واحدا معيارا لتمثيل النساء والتاريخ والفنون، فإنها تخاطر بتحويل الاختلاف الاجتماعي إلى تفاوت في الاعتراف. وقد يجد طفل أن أسرته ممثلة بوصفها النموذج الطبيعي، بينما يشعر آخر بأن مظهر أسرته أو معتقدها أو ثقافتها غائب أو يحتاج إلى تصحيح.
ويمتد الضرر إلى المعرفة نفسها. فإذا أصبح قبول المادة العلمية أو العمل الفني مشروطا بموافقته تصور السلطة، تتراجع قدرة المدرسة على تدريب الطالب على السؤال والمقارنة وفحص الأدلة.
وهنا ينبغي التمييز بين تدريس الدين بوصفه معرفة ومعتقدا يحظى بالاحترام، وبين استخدام تفسير ديني محدد لإعادة ضبط بقية الحقول التعليمية. الأول يمكن أن يتعايش مع التعدد، أما الثاني فيمنح السلطة قدرة على رسم حدود الفكر والسلوك باسم مرجعية يصعب الاعتراض عليها.
النتيجة التي تضعها الوقائع أمام السوريين
تقدم التعديلات الموثقة، مقروءة إلى جانب الجدل السابق والتحذيرات الحقوقية، مؤشرات جدية على اتجاه يتجاوز إزالة الدعاية القديمة إلى تضييق تمثيل التنوع وتوسيع المرجعية الدينية في التعليم.
ولا تثبت هذه المؤشرات وحدها وجود خطة موحدة معلنة تشمل كل المدارس، لكنها تكفي لجعل الرقابة المجتمعية على المناهج ضرورة عاجلة.
إن محاولة السلطة الانتقالية زج تفسيرها للدين في التعليم تنطوي على خطورة عالية في مجتمع مثل المجتمع السوري. فهي قد تنقل الانقسام إلى الصف، وتمنح الإقصاء شرعية يومية، وتعيد إنتاج المدرسة باعتبارها أداة لتكوين المطيع بدلا من المواطن القادر على التفكير.
والخروج من هذا المسار يبدأ بلجان مستقلة ومتنوعة، ومراجعة علنية للتعديلات، وحماية المعرفة العلمية وحرية المعتقد والاختيار. فالانتقال السياسي الذي يطمح إلى إنهاء الاستبداد يحتاج إلى مدرسة تتسع للسوريين، لا مدرسة تطلب منهم أن يصبحوا صورة عن السلطة.






