توم براك في مقابلة ماريو نوفل.. خطاب عن السويداء تغيب عنه ضمانات الحماية وتكشف السوابق حدود سلطته
المصلحة الأميركية لا تعيد الثقة بالنيابة عن السكان

سكوب ميديا- سوريا
أعادت تصريحات المبعوث الأميركي توم براك، خلال مقابلته مع ماريو نوفل، طرح سؤالين متداخلين حول السياسة الأميركية تجاه السويداء. يتعلق الأول بمدى استيعاب هذه السياسة لأسباب انهيار الثقة بين السكان والسلطة السورية، ويتعلق الثاني بحدود اعتبار كلام المبعوث تعبيراً نهائياً عن قرارات الإدارة الأميركية.
فالمقابلة، بحسب التغطيات المنشورة، قدمت رسائل واضحة بشأن نفي الدعم الأميركي عن الشيخ حكمت الهجري، والاعتراض على سلوك مجموعات مسلحة، والتحذير من مصادر تسلحها وتمويلها. لكنها لم تقدم بالوضوح نفسه إجابات عن حماية السكان ومحاسبة المسؤولين عن المجازر وضمان مشاركتهم في تحديد مستقبلهم.
وتزداد أهمية هذه الفجوة عند استحضار تصريحات سابقة لبراك بشأن الجولان، اضطر إلى توضيحها، ورد الرئيس دونالد ترامب الأخير على حديثه عن احتمال توجيه ضربة إلى إيران. فهذه الوقائع تظهر أن تأثير المبعوث لا يعني امتلاكه القرار الكامل، وأن تصريحاته تحتاج إلى التمييز بين التقدير الشخصي والرسالة التفاوضية والسياسة المعتمدة.
من قضية مجتمع إلى سجال حول القيادة المحلية
بحسب ما نقلته سانا عن مقابلة براك مع ماريو نوفل، نفى المبعوث وجود دعم أميركي للشيخ حكمت الهجري، وربط حديثه بالعمل على إبقاء حدود المنطقة هادئة. وتناول أيضاً تسلح جماعات في السويداء وتمويلها من تجارة الكبتاغون.
من حق واشنطن توضيح علاقاتها ونفي دعم لا تقدمه. لكن نفي الدعم عن شخصية لا يفسر وحده موقف مجتمع كامل، ولا يجيب عن أسباب رفض قطاع من السكان العودة إلى سلطة دمشق بالشروط القائمة.
وتكمن إحدى سلبيات الخطاب في احتمال اختزال أزمة السويداء في حسابات قيادتها وعلاقاتها الخارجية، بينما ترتبط جذورها بتجربة قتل ونزوح وإهانة وخوف من التكرار. وحتى لو تبدلت تقديرات القيادات المحلية بشأن مواقف الدول، فإن هذه التجربة لا تزول.
كما أن الاتهامات المتعلقة بالمخدرات تحتاج إلى تحديد الجهات والأفعال والأدلة. فصدورها عن مسؤول دبلوماسي لا يمنحها تلقائياً صفة الحقيقة القضائية، ولا يسمح بتوسيعها لتصبح شبهة تحيط بالمحافظة ومطالب سكانها.
تقرير المصير.. مطلب اجتماعي يتجاوز المراهنة على الخارج
برزت المطالبة بتقرير المصير في السويداء عبر تظاهرات وحملات توقيع وتحركات مدنية وقانونية. وقد وثقت صحيفة «الشرق الأوسط» في سبتمبر 2025 حملة تطالب باستفتاء على خيارات تشمل الاستقلال والحكم الذاتي والإدارة اللامركزية، مع وجود اختلافات بين السكان بشأن الخيار الأفضل.
وتشير هذه التحركات إلى قاعدة اجتماعية واسعة ومؤثرة ترى أن مستقبل العلاقة مع دمشق يجب أن يخضع لإرادة السكان. لكن تحديد نسبة المؤيدين بدقة يحتاج إلى آلية مستقلة وشفافة، ولا تكفي التظاهرات أو التوقيعات وحدها لاعتبار موقف معين معبراً عن الجميع.
وبالنسبة إلى المطالبين بالاستقلال أو رفض العودة إلى السيطرة المركزية، ترتبط المسألة باتهام السلطة بأنها المسؤول الأول عن مجازر تموز 2025، وبفقدان الثقة في قدرتها على توفير الحماية.
ومن هنا، يبدو تفسير هذه المطالب باعتبارها نتيجة أوهام بشأن دعم أميركي أو إسرائيلي تفسيراً ناقصاً. فالدعم الخارجي قد يؤثر في الحسابات، لكنه لا يختصر الدافع المحلي الذي نشأ من تجربة السكان أنفسهم.
وأي مقاربة جادة تحتاج إلى الاعتراف بحقهم في التعبير السلمي عن مختلف الخيارات، مع التمييز بين المطالبة السياسية بتقرير المصير وبين حسم الوضع القانوني للاستقلال، وهو موضوع أكثر تعقيداً وخلافاً.
التحقيق الدولي يقرب الاتهام من دائرة الأدلة
يتهم كثير من المتضررين السلطة السورية بالمسؤولية الأساسية عن المجازر. وهذا موقف ينبغي نسبته إلى أصحابه، لكنه يتقاطع في جانب جوهري مع نتائج تحقيقات مستقلة وثقت تورط قوات حكومية وقوات مرتبطة بها.
فقد أعلنت منظمة العفو الدولية توثيق إعدام 46 شخصاً من الدروز خارج نطاق القضاء يومي 15 و16 تموز 2025، ونسبت المسؤولية إلى قوات حكومية وقوات حليفة. واستند تحقيقها إلى شهادات وأدلة بصرية جرى التحقق منها.
كما أصدرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا تقريراً في مارس 2026، نقلت رويترز عنه مقتل ما لا يقل عن 1707 أشخاص ونزوح ما يصل إلى 155 ألفاً خلال عنف المحافظة. ونسب التحقيق انتهاكات جسيمة إلى أطراف متعددة، بينها قوات حكومية وحليفة ومجموعات مسلحة ، وأشار إلى احتمال ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
تمنح هذه النتائج أساساً موثقاً لمساءلة السلطة عن أفعال قواتها، لكنها لا تعادل حكماً قضائياً بأن القيادة العليا أمرت بجميع الجرائم.
وبالتالي، فإن أي خطاب عن إعادة بسط سلطة المؤسسات يحتاج إلى مواجهة السؤال الذي تطرحه هذه الأدلة: كيف يمكن إعادة الثقة بمؤسسات لم تُحسم بعد بصورة مقنعة مسؤولية عناصرها وقياداتها عن الانتهاكات؟
من الساحل إلى السويداء.. تكرار يضعف التطمينات
سبقت مجازر السويداء أعمال عنف واسعة في الساحل السوري خلال مارس 2025، استهدفت أساساً مدنيين علويين. ووثقت جهات دولية وحقوقية إعدامات ونهباً وحرقاً وإساءات على أساس الهوية، ارتكبتها قوات حكومية وتشكيلات مرتبطة بها.
وفي تحقيق مشترك لهيومن رايتس ووتش و«سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» و«الأرشيف السوري»، قالت المنظمات إن الانتهاكات وقعت ضمن عملية عسكرية نسقتها وزارة الدفاع، وإن تنسيق الانتشار استمر بعد ظهور معلومات عن المجازر.
ولم تجد المنظمات أوامر مباشرة بارتكاب الفظائع، كما لم تثبت اللجنة الأممية أن الحكومة المركزية وجهت الهجمات. لكن غياب دليل على الأمر المباشر لا يحسم مسؤولية من نشر القوات أو علم بالجرائم أو كان ينبغي أن يعلم بها ولم يمنعها.
وتتابع العنف من الساحل إلى السويداء يفسر لماذا لا تمنح الوعود العامة السكان شعوراً كافياً بالأمان. فالمخاوف باتت مرتبطة ببنية الحماية والمساءلة، وبقدرة الدولة على منع العنف الصادر من داخل أجهزتها أو من التشكيلات المتحالفة معها.
الخلفية الجهادية.. سؤال التحول الفعلي
تزيد الخلفية التنظيمية لقيادات مؤثرة في السلطة الانتقالية من حساسية هذه المخاوف. فقد قاد أحمد الشرع، المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني، جبهة النصرة التي كانت فرع تنظيم القاعدة في سوريا، قبل إعلان فك الارتباط عام 2016، ثم تشكل هيئة تحرير الشام عام 2017.
وكانت وزارة الخارجية الأميركية قد أعلنت عام 2017 مكافأة تصل إلى عشرة ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى تحديد هويته أو مكانه، ضمن برنامج «مكافآت من أجل العدالة». ثم أعلنت إسقاط المكافأة في ديسمبر 2024، عقب لقاء دبلوماسيين أميركيين به في دمشق.
وألغت واشنطن تصنيف جبهة النصرة، المعروفة أيضاً بهيئة تحرير الشام، منظمة إرهابية أجنبية اعتباراً من 8 يوليو 2025. والتوصيف الدقيق يتعلق بالتنظيم وقياداته السابقة، لا باعتبار جميع مؤسسات الدولة الانتقالية كياناً كان مدرجاً على القائمة.
لكن إلغاء التصنيف لا يمثل تبرئة قضائية من انتهاكات سابقة. كما أن إعلان فك الارتباط بالقاعدة مسار مختلف عن قرار دولة رفع تصنيف إرهابي، ولا يجوز دمج الأمرين في واقعة واحدة.
بالنسبة إلى سكان يخشون التمييز الديني، يحتاج التحول المعلن إلى أدلة مؤسسية، تظهر في القوانين والتعيينات وسلوك القوات وحماية حرية الاعتقاد. ولا يكفي أن تطمئن العواصم الخارجية إلى التعامل مع القيادة الجديدة كي يشعر المجتمع المحلي بالأمان نفسه.
المسيحيون والدروز.. الحماية تتطلب مواجهة التطرف
تتعمق أزمة الثقة حين ترافق العنف لغة طائفية أو إهانات تستهدف الهوية الدينية. وقد وثقت العفو الدولية شعارات طائفية ومعاملة مهينة لرجال دين دروز خلال أحداث السويداء، بينها حلق الشوارب قسراً، وسجلت التقارير الدولية حالات اغتصاب وعنف جنسي وحرق قرى بأكملها.
وتتجاوز آثار هذه الممارسات الأذى الفردي، لأنها توجه رسالة إلى الجماعة بأن هويتها نفسها موضع استهداف. ولذلك تتطلب مواجهتها محاسبة المنفذين ومعالجة التحريض داخل المؤسسات والتشكيلات المسلحة والمجال العام.
أما التفجير الإرهابي الذي استهدف كنيسة مار إلياس في دمشق في 22 يونيو 2025، فقد أبرز خطورة التهديد الذي يواجه المسيحيين ودور العبادة. ونسبت السلطات الهجوم، وفق تحقيق أولي، إلى داعش، فيما أدانته الأمم المتحدة ودعت إلى تحقيق كامل.
ولا يثبت وقوع التفجير أن السلطة نفذته أو أمرت به. لكن مسؤوليتها تشمل الحماية والوقاية وملاحقة المتورطين ومواجهة التهديدات. ومن الضروري الفصل بين جرائم منسوبة إلى قوات حكومية وهجمات تنفذها تنظيمات أخرى، مع إبقاء واجب الدولة في حماية الجميع واضحاً.
الجولان.. تصريح عاد إلى سقف السياسة الأميركية
تقدم واقعة الجولان مثالاً على حدود اعتبار كلام براك قراراً نهائياً.
ففي أغسطس 2026، أثار وصفه السيطرة الإسرائيلية على الجولان بأنها احتلال مخالف للقرارات الدولية اعتراضاً إسرائيلياً، بسبب تعارض الانطباع الذي أحدثه التصريح مع اعتراف ترامب عام 2019 بالسيادة الإسرائيلية على المنطقة.
ثم أوضح براك أن كلامه تناول سياقاً تاريخياً، وأن السياسة الأميركية لم تتغير.
لا تثبت هذه الواقعة تعطيل اتفاق أميركي إسرائيلي محدد، لكنها تكشف أن عبارة المبعوث لم تكن تحولاً معتمداً في السياسة. وعندما فُهمت على هذا النحو، عاد لتأكيد الموقف الرئاسي القائم.
وهذه دلالة مهمة في قراءة مقابلته مع ماريو نوفل، إذ لا يملك المبعوث بمجرد حضوره الإعلامي تغيير السياسات التي يحددها الرئيس أو تقديم كل تقدير يصدر عنه بوصفه التزاماً من الإدارة.
رد ترامب بشأن إيران.. حدود أخرى للرسالة
خلال حديثه مع نوفل، أشار براك إلى إمكان توجيه ضربة أميركية إلى إيران خلال عطلة نهاية الأسبوع. لكن ترامب لم يتبنَّ هذا التقدير عندما سُئل عنه.
وبحسب التغطية المنشورة، تساءل الرئيس عما إذا كان صاحب التصريح سفيره، ووصف نفوذه بعبارة ذات نبرة تهكمية، ثم قال إنه لا يعرف شيئاً عن ذلك.
ولم يستبعد ترامب العمل العسكري ضد إيران بصورة مطلقة، ولذلك لا يصح تصوير الرد باعتباره تعارضاً كاملاً في الهدف. لكنه ترك مسافة واضحة بين الرئاسة وتقدير المبعوث بشأن التوقيت.
وتدعم هذه الواقعة، مع واقعة الجولان، استنتاجاً محدداً: براك مؤثر، لكنه لا يملك القرار الكامل، وتصريحاته قد تتجاوز أحياناً ما تكون الإدارة مستعدة لتأكيده علناً.
المصلحة الأميركية لا تعيد الثقة بالنيابة عن السكان
قد تدفع المصالح الأميركية إلى التعاون مع السلطة الانتقالية في مكافحة التنظيمات المسلحة وضبط الحدود والتفاوض على ترتيبات إقليمية. لكن هذا التعاون لا يستطيع أن يجعل السكان ينسون الانتهاكات، ولا يمنح الضمانات الدبلوماسية قيمة تلقائية في نظر المتضررين.
وتكمن نقطة الضعف الأساسية في خطاب براك بشأن السويداء في عدم التوازن بين وضوح التحذير وغموض الحماية. فهو يحدد ما يرفضه من القوى المحلية، بينما لا يقدم في الأجزاء المنشورة تفصيلاً مماثلاً للمحاسبة ومنع التكرار وحرية السكان في المشاركة بتحديد مستقبلهم.
والسياسة القابلة للاستمرار تحتاج إلى معيار واحد، يحاسب جميع المتورطين ويحمي جميع المدنيين، ويمنع استخدام الخدمات والتنقل والحقوق الأساسية أدوات ضغط سياسي.
فهدوء الحدود هدف مهم، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال العائلة التي تخشى العودة إلى منزلها. وأي مقاربة تتجاهل هذا الفارق قد تنجح في ترتيب موازين القوة مؤقتاً، بينما تترك أسباب انعدام الثقة قائمة.
المصادر المعتمدة للتقرير: التغطيات المنشورة لمقابلة توم براك مع ماريو نوفل، والتقارير المتعلقة برد ترامب وتوضيحات الجولان، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا، ومنظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، وسوريون من أجل الحقيقة والعدالة، والأرشيف السوري، ووزارة الخارجية الأميركية، والأمم المتحدة، ورويترز، وأسوشيتد برس، وصحيفة الشرق الأوسط.






