عناقيد من ذاكرة الحجر
حكاية العنب في السويداء منذ العصر الروماني

عناقيد من ذاكرة الحجر: حكاية العنب في السويداء منذ العصر الروماني
من نقوش المعابد ومعاصر الصخر الأسود إلى كروم السويداء الحديثة… تاريخ زراعي تختبئ تفاصيله بين حجارة الجبل
في السويداء، لا تحمل الحجارة ذاكرة المدن والمعابد القديمة فحسب، بل تحفظ أيضاً آثار حياة الناس الذين زرعوا الأرض واستخرجوا من طبيعتها أسباب رزقهم. وبين الأعمدة البازلتية والنقوش المعمارية وبقايا المنشآت الزراعية، تبرز الكرمة بوصفها إحدى العلامات التي تساعد على فهم التاريخ الاقتصادي والثقافي للمنطقة .
فالعنب الذي ارتبط لاحقاً باسم السويداء وإنتاجها الزراعي لم يكن مجرد محصول عابر في تاريخ المنطقة؛ إذ تشير الدراسات الأثرية إلى أن زراعة الكرمة وإنتاج النبيذ كانا جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي في أجزاء من السويداء خلال العصور القديمة.
حين كانت الكرمة جزءاً من اقتصاد السويداء
خلال العصرين الهلنستي والروماني، شهدت مناطق حوران والسويداء نشاطاً عمرانياً وزراعياً ملحوظاً. وقد ساعدت التربة البركانية، والأمطار الموسمية، والخبرة المحلية في التعامل مع البيئة على قيام أنشطة زراعية متنوعة، شملت الحبوب وأشجار الفاكهة والكروم.
وتشير دراسة أكاديمية عن المشهد الريفي القديم في جنوب سورية، تتناول السويداء والآثار الزراعية ومعاصر العنب، ضمن أعمال مؤتمر علمي في برلين عام 2012، إلى أن زراعة الكرمة كانت عنصراً مهماً في اقتصاد منطقة السويداء خلال القرون الممتدة من الثاني إلى الرابع الميلاديين. واستندت الدراسة إلى أدلة نباتية أثرية، من بينها بقايا نباتية عُثر عليها في مبنى قديم في موقع سيع، إلى جانب اكتشاف معاصر للعنب في المنطقة.
وهنا تبرز أهمية الدليل الأثري: فالتاريخ الزراعي لا يُستخلص من الروايات وحدها، بل من آثار الإنتاج نفسها؛ من المنشآت التي عُصرت فيها الثمار، إلى بقايا النباتات التي تكشف ما كان ينمو في الأرض بالفعل.
ماذا تخبرنا الأعمدة والنقوش القديمة؟

(المصدر: سكوب ميديا)
تظهر عناقيد العنب وأوراق الكرمة في الزخارف الفنية والمعمارية في أجزاء متفرقة من المواقع الاثرية في السويداء . ولم تكن هذه الزخارف مجرد تفاصيل تجميلية بالضرورة؛ إذ ارتبطت الكرمة في ثقافات المنطقة القديمة بالخصب والوفرة، كما ارتبطت في العالم اليوناني والروماني بديونيسوس وباخوس، إلهَي الخمر والاحتفالات.
لكن ثمة فرقاً مهماً ينبغي الانتباه إليه: تصوير عنقود عنب على عمود أو واجهة معمارية لا يثبت وحده أن المبنى كان معصرة أو أن المحصول كان يُنتج في الموقع نفسه. فإثبات النشاط الزراعي يحتاج إلى جمع أكثر من نوع من الأدلة، مثل معاصر العنب وبقايا النباتات واللقى المرتبطة بالإنتاج، فضلاً عن النقوش الكتابية حين تتوافر قراءتها وتحديد تاريخها ومكان العثور عليها.
ولهذا، فإن دراسة الزخارف الحجرية في السويداء وقنوات وشهبا وسيع، وربطها بالسياق المعماري والأثري لكل موقع، يمكن أن تكشف المزيد عن مكانة الكرمة في حياة سكان السويداء القدماء.
من الصخر الأسود إلى معاصر العنب
من أبرز الشواهد على النشاط الزراعي القديم وجود منشآت لعصر العنب في السويداء. وتُعد هذه المنشآت أكثر من مجرد أحواض حجرية؛ فهي آثار عملية تكشف كيف حوّل السكان محصولهم إلى منتج قابل للاستهلاك والتخزين والتداول.
وقد وثقت الأبحاث الأثرية في منطقة سيع، المعروفة بمواقعها الدينية والمعمارية القديمة، معصرة للعنب ذات تجهيزات متكاملة، تضم مساحة لدوس الثمار وعناصر للعصر وأحواضاً لتجميع العصير. غير أن المنشأة التي تناولتها الدراسة المتخصصة تعود إلى العصر الإسلامي، وليست معصرة رومانية وتكمن أهميتها في إظهار استمرار استغلال الموقع في إنتاج العنب عبر مراحل تاريخية مختلفة.
أما بالنسبة إلى العصر الروماني، فتدعم بقايا معاصر العنب المكتشفة في المنطقة، إلى جانب الأدلة النباتية، فرضية أن الكرمة كانت محصولاً مهماً في أجزاء من السويداء خلال تلك المرحلة.
وتوضح هذه المنشآت كيف استطاع سكان السويداء الاستفادة من الموارد المحلية، مستخدمين الحجر البازلتي المتوافر في محيطهم في بناء المنشآت الزراعية والمباني. لقد كان الحجر جزءاً من البيئة الاقتصادية بقدر ما كان مادة للعمارة.
هل كانت السويداء القديمة مركزاً لإنتاج العنب والنبيذ؟

(المصدر: سكوب ميديا)
من المهم التمييز بين ثلاثة أمور: زراعة العنب، وعصره لإنتاج العصير أو النبيذ، وتجارة المنتجات الناتجة عنه. فوجود معصرة دليل على معالجة المحصول، لكنه لا يحدد وحده حجم الإنتاج أو المسافات التي كانت تُنقل إليها المنتجات.
وتشير الدراسات المتخصصة في اقتصاد الريف القديم في السويداء إلى أن بعض المناطق الجبلية عرفت نشاطاً متخصصاً في زراعة الكرمة، بينما اتجهت السهول المحيطة بدرجة أكبر إلى إنتاج الحبوب. ويكشف هذا التباين عن اقتصاد زراعي متنوع، تكيف مع اختلاف التضاريس والأمطار والتربة بين السهل والجبل.
وتفتح هذه المعطيات الباب أمام أسئلة تاريخية مهمة: هل كانت منتجات العنب تُستهلك محلياً فقط، أم انتقلت إلى أسواق أخرى؟ وما حجم دورها في اقتصاد القرى القديمة؟ وما الأنواع التي كانت تُزرع، وهل بقي بعضها في الزراعة المحلية عبر القرون؟
هذه أسئلة تحتاج إلى دراسات إضافية في بقايا النباتات واللقى الفخارية والنقوش والمصادر التاريخية، ولا يمكن الجزم بإجاباتها اعتماداً على الزخارف وحدها.
من كروم الماضي إلى هوية السويداء الزراعية
إن تاريخ العنب في السويداء لا يُختصر في حقبة واحدة، ولا يمكن افتراض أن طرق الزراعة والأصناف الحالية بقيت كما كانت منذ العصر الروماني. فقد مرت المنطقة بتحولات سياسية واقتصادية ومناخية عديدة، وتبدلت أنماط الاستقرار واستعمال الأراضي وأساليب الإنتاج.
ومع ذلك، تمنحنا الشواهد الأثرية أساساً لفهم عميق: لقد عرف سكان السويداء زراعة الكرمة ومعالجة العنب منذ العصور القديمة، وكانت هذه الممارسة جزءاً من علاقتهم بالأرض وبالبيئة البركانية التي عاشوا فيها.
ومن هنا، فإن دراسة تاريخ العنب في السويداء ليست مجرد استعادة لمحصول زراعي، بل محاولة لفهم جانب من تاريخ المجتمع المحلي، وتقنياته، واقتصاده، والرموز التي تركها على الحجر.
فبين عنقود محفور على واجهة قديمة، ومعصرة باقية في موقع أثري، وكرمة تنمو اليوم في أرض السويداء، يمتد خيط تاريخي يستحق المزيد من البحث والتوثيق.
العنب في السويداء ليس حكاية محصول فحسب إنه جزء من تاريخ الأرض والإنسان، وما زالت حجارة السويداء تحتفظ بشواهد تنتظر من يقرأها بدقة.
المصادر والمراجع العلمية
شادي حاطوم (Chadi Hatoum)، 2012.
Ancient Rural Managements and Their Impact on the Landscape in Southern Syria.
دراسة أكاديمية عن المشهد الريفي القديم في جنوب سورية، تتناول السويداء والآثار الزراعية ومعاصر العنب.
الرابط: https://refubium.fu-berlin.de/bitstream/handle/fub188/18828/142.pdf?isAllowed=y&sequence=1إيناس العقلة (Enas Alokleh)، 2026.
The Agricultural Practices in Bosra Region During Classical Ages.
المعهد الألماني للآثار (DAI). دراسة عن الممارسات الزراعية في منطقة بصرى خلال العصور الكلاسيكية، وتتناول الأدلة الفنية والأثرية المتعلقة بالكرمة والعنب.
الرابط: https://www.dainst.org/blogs/fs25-orient-damaskus-alokleh/656Jacqueline Dentzer-Feydy, Jean-Marie Dentzer, Pierre-Marie Blanc (eds.), 2003.
Hauran II: Les installations de Si‘ 8. Du sanctuaire à l’établissement viticole.
منشور عن المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (IFPO)، يتناول موقع سيع ومنشأة إنتاج العنب في سياقها الأثري والتاريخي.
رابط مراجعة الكتاب: https://www.persee.fr/doc/rea_0035-2004_2005_num_107_2_6478_t1_0860_0000_3Institut français du Proche-Orient (IFPO).
Inscriptions grecques et latines de la Syrie, tome XVI: L’Auranitide.
مجموعة علمية للنقوش اليونانية واللاتينية في حوران، تتضمن مجلداً خاصاً بالسويداء والمنطقة الغربية من السويداء، وهي مرجع مهم للتحقق من نصوص النقوش القديمة وتواريخها.
الرابط: https://www.ifporient.org/978-2-35159-769-9-978-2-35159-770-5/






