تحت حجارة السويداء… كيف نقرأ قصة البراكين؟
حجارة السويداء السوداء… سيرة النار التي صارت أرضا وبيوتا وذاكرة

سكوب ميديا- ثقافة
في السويداء، تبدو الحجارة السوداء جزءا من تفاصيل الحياة اليومية. نراها في جدار بيت قديم، وعلى أطراف الحقول، وفي الدرج الذي صقلته الأقدام. حضورها مألوف إلى درجة قد تجعلنا نمر بها دون أن نتساءل عن أصلها. غير أن هذه المادة الصامتة تحمل تاريخا أقدم بكثير من البيوت التي شيدت منها، ومن الأيدي التي قطعتها ورتبتها.
قبل أن يصبح الحجر عتبة باب أو جدارا يحيط بحقل، كانت مادته صهارة في باطن الأرض. وحين وصلت إلى السطح، تدفقت حمما، ثم فقدت حرارتها وتصلبت. وما نراه اليوم هو بعض ما بقي من عمليات بركانية متعاقبة أسهمت في تشكيل تضاريس المنطقة.
لذلك، فإن تأمل الحجر في السويداء يفتح بابين متجاورين: بابا علميا يسأل كيف تكونت الأرض، وبابا إنسانيا يسأل كيف تحولت مادتها إلى ملامح للمكان وذاكرة لسكانه.
يرتبط جبل الدروز، المعروف أيضا بجبل العرب، بنطاق حرة الشام البركاني، الذي يمتد عبر أجزاء من سوريا والأردن وشمال السعودية. ويصف برنامج البراكين العالمي التابع لمؤسسة سميثسونيان هذا النطاق بوصفه إقليما واسعا يضم حقولا بركانية أصغر، من بينها جبل الدروز والصفا وغيرها. وهذا التفريق ضروري، لأن وحدة المشهد الأسود لا تعني وحدة العمر أو المصدر. فالحجارة المتشابهة في اللون قد تكون نتاج أحداث تفصل بينها أزمنة طويلة.
وقد قدمت دراسة نشرها محمد عامر القوتلي وزملاؤه في دورية «تكتونوفِزِكس» عام 2012 قراءة تجمع بين صور الأقمار الصناعية وتحليل التضاريس والتأريخ بطريقة البوتاسيوم–أرغون. ورصد الباحثون أكثر من 350 مخروطا بركانيا ضمن نطاق دراستهم، واقترحوا تاريخا يتضمن مرحلتين طويلتين من النشاط البركاني، تفصل بينهما فترة انقطاع. وتراوحت أعمار العينات الجديدة التي أرخوها بين نحو 7.13 ملايين سنة ونحو 56 ألف سنة. وهذه أعمار لعينات محددة، ولا يجوز نقل أحدها إلى كل تل أو حجر في السويداء.
وعليه، لا تبدو عبارة «كان هنا بركان» كافية لشرح المكان. الأقرب إلى المعرفة العلمية أن نقول إن المنطقة تحتفظ بسجل لنشاط بركاني متعدد المراكز والمراحل. وقد تناولت الأبحاث علاقته بتطور الصفيحة العربية والبنى التكتونية الإقليمية، مع استمرار النقاش حول دور الفوالق وخصائص الغلاف الصخري ومصادر الصهارة في الوشاح. فحتى التفسير العلمي يتقدم عبر مقارنة النماذج بالأدلة، ولا يختزل تاريخا معقدا في سبب منفرد.
والبازلت من أبرز الصخور في هذه البيئة. وهو صخر بركاني داكن، يرتبط لونه عموما بتركيبه المعدني الغني نسبيا بالحديد والمغنيسيوم. وتوضح هيئة المتنزهات الوطنية الأميركية أن الصهارة تسمى «حمما» عندما تبلغ سطح الأرض، وأن البازلت يتدرج عادة بين الرمادي الداكن والأسود. وبذلك، فإن سواد الحجر ليس أثرا لدخان عالق به، بل صفة تتصل بالمادة التي تكون منها.
غير أن البازلت نفسه ليس متجانسا في جميع تفاصيله. فقد وثقت دراسة لصفوان داود وعلي المشوط وعبد الكريم العبد الله، تناولت صخور البليوسين في الجزء السوري من حرة الشام، تنوعا يشمل بازلت الأوليفين وبازلت الأوليفين–البيروكسين والبازانيت. وهذه الأسماء تشير إلى فروق في التركيب والخصائص، وتذكرنا بأن العين قد ترى لونا واحدا، بينما يكشف الفحص المجهري والتحليل الكيميائي تاريخا أكثر تنوعا.
وقد تظهر على سطح قطعة بازلتية فجوات صغيرة، كأن الحجر احتفظ بأنفاسه الأخيرة قبل أن يتصلب. والتعبير هنا أدبي، أما التفسير الجيولوجي فهو أن الغازات الموجودة في الحمم تستطيع تكوين فقاعات، ثم تبقى مواضعها محفوظة عند التصلب. وتوضح هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن الأجزاء العليا من بعض التدفقات البازلتية تكون غنية بهذه الفجوات، وأن اختلاف شكلها وتوزيعها يساعد في تمييز بنية التدفق.

وتروي أسطح الحمم أيضا شيئا من ظروف حركتها. فمنها أسطح أكثر نعومة وتموجا، ومنها تدفقات خشنة تتكون من كتل وشظايا. وتبين هيئة المتنزهات الوطنية الأميركية أن هذه الأشكال تسجل اختلافات في ديناميكية الجريان والتبرد. لكن التعرف إليها في موقع محدد يحتاج إلى فحص ميداني، لأن التجوية والتعرية والتدخل البشري قد تغير المظهر الأصلي للصخر.
هكذا يقرأ الجيولوجي الأرض عبر العلاقات، لا عبر الحجر المنفرد وحده. أين يبدأ التدفق وأين ينتهي؟ ما الذي يعلوه وما الذي يقع تحته؟ هل توجد بين وحدتين بركانيتين طبقة من التربة القديمة أو الرواسب؟ وكيف تتصل هذه الوحدات بمراكز خروج الحمم؟
في التتابعات التي بقيت علاقاتها الأصلية واضحة، يكون التدفق الذي يغطي غيره أحدث منه. وهذه قراءة للعمر النسبي. أما تقدير العمر بالسنوات فيحتاج إلى عينات مناسبة وطرق تأريخ مخبرية، مثل تلك التي استخدمتها الدراسات الإقليمية. لذلك تختلف معرفة ترتيب الأحداث عن معرفة تواريخها، وإن كانت كلتاهما تساعد في بناء سيرة الأرض.
ولا تنتهي هذه السيرة حين تتصلب الحمم. فمنذ لحظة انكشاف الصخر للهواء والماء، تبدأ عمليات التجوية في تغييره. يتفتت بعضه، وتتحلل بعض معادنه، وتشارك الكائنات الحية الدقيقة والجذور والمواد العضوية في نشوء التربة. وتشرح منظمة الأغذية والزراعة أن تكوين التربة تحكمه خمسة عوامل رئيسية: المادة الأم، والمناخ، والكائنات الحية، والتضاريس، والزمن. والأرض الزراعية، بهذا المعنى، ثمرة تفاعل طويل بين الصخر والحياة والبيئة.
ومن هنا ينبغي التعامل بحذر مع القول الشائع إن كل أرض بركانية خصبة بالضرورة. فالصخر الأصلي يسهم في تركيب التربة، لكنه لا يحدد وحده قدرتها على الإنتاج. وقد تختلف أرضان متجاورتان في عمق التربة واحتفاظها بالماء وتصريفها ومحتواها العضوي، فتختلف استجابتهما للزراعة رغم تشابه الصخور تحتهما. وتؤكد الدراسات المتخصصة أن تكوين التربة ووظائفها نتاج تفاعل هذه العوامل، بما فيها أثر الإنسان وإدارته للأرض.
وعند هذه النقطة، يلتقي الزمن الجيولوجي بالزمن الإنساني. فالحجر الذي قاوم المحراث يمكن أن يتحول إلى جدار يحد الحقل. والكتلة التي أعاقت المرور يمكن أن تصبح درجة في مدخل بيت. وفي هذا التحول تظهر خبرة الإنسان بالمادة: اختيارها، وقطعها، وترتيبها، وتعلم ما تحتمله وما تقاومه.
يمكن قراءة هذا المشهد في ضوء أفكار الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في كتابه «الأرض وأحلام يقظة الإرادة». يتناول باشلار خيال المادة، وعلاقة الإنسان بالصلابة والمقاومة والعمل. فالمادة عنده ليست موضوعا للنظر فقط، بل شيء نختبره بأيدينا وبالجهد الذي نبذله لتغييره. وهذه زاوية فكرية تساعدنا على تأمل علاقة البنّاء والفلاح بالحجر، وليست دراسة كتبها باشلار عن السويداء.
انطلاقا من هذه القراءة، تكتسب الحجارة الموضوعة في جدار قيمة تتجاوز أصلها الجيولوجي. فالجدار يسجل معرفة بمنطقة، وحاجة إلى مأوى، وعملا تراكم عبر الأجيال. وبين كتلة الصخر في الحقل والحجر المشذب في البناء توجد سيرة بشرية تستحق أن تقرأ إلى جانب سيرة الطبيعة.
ويقدم الكاتب والمفكر الفرنسي روجيه كايوا مدخلا أدبيا آخر في كتاباته عن الأحجار، ومنها «كتابة الحجارة». وتوضح الكاتبة مارينا وورنر، في دراستها لأعماله، كيف جمع بين الملاحظة الدقيقة والتأمل الشعري، ورأى في أشكال المادة الطبيعية مجالا للدهشة والبحث معا. لم يكن تفسير الظاهرة عنده سببا لإلغاء جمالها.
ويمكن استعارة هذه الحساسية في النظر إلى بازلت السويداء. فمعرفة أن الفجوة كانت موضع فقاعة غازية لا تجعلها أقل إثارة للخيال. ومعرفة أن الحجر تكون قبل زمن طويل من وجود البيت تضيف إلى العتبة بعدا آخر: إنها مادة عبرت تاريخ الأرض، ثم دخلت تاريخ العائلة.
لكن الأدب يظل قراءة للمعنى الذي نصنعه حول الحجر. أما عمره وتركيبه وظروف تشكله، فتحتاج إلى الأدلة وطرق البحث. والحفاظ على هذا التمييز يسمح للعلم والخيال بأن يثريا النص دون أن يحل أحدهما محل الآخر.
ومن التمييز نفسه تنشأ ضرورة الفصل بين الماضي البركاني وتقدير الأخطار الحالية. فلا يكفي لون الصخور، أو وجود تل مخروطي، أو ظهور فجوة في الأرض، لاستنتاج قرب ثوران. وتوضح هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن المراقبة البركانية تعتمد على قياسات متعددة، منها الزلازل وحركة سطح الأرض والغازات والتغيرات المرئية. أما الحكم على موقع بعينه، فيحتاج إلى بياناته ودراساته المتخصصة.
ما تمنحنا إياه الحجارة السوداء في الحياة اليومية هو فرصة أولى للانتباه. ويمكن أن تبدأ المعرفة بسؤال طفل عن سبب سواد حجر، أو ملاحظة مزارع لاختلاف التربة، أو رغبة في فهم جدار قديم قبل ترميمه. وتستطيع المدرسة والمتحف والرحلة الميدانية أن تصل هذه الأسئلة بالخرائط والعينات والبحث، فتجعل المكان مادة للتعلم.
في السويداء، يحمل الحجر تاريخين متداخلين: تاريخ مادته منذ تشكلها، وتاريخ استعماله منذ دخل حياة الناس. وعندما نجمع القراءتين، يصبح الحقل أوسع من مساحة للزراعة، والبيت أقدم من تاريخ بنائه بمعنى مادي عميق.
الحجارة التي اعتدنا رؤيتها ساكنة تحفظ آثار حركة هائلة سبقتنا. وبعد أن بردت النار، استمر الزمن يعمل فيها، ثم جاءت الأيدي لتمنحها هيئة الجدار والعتبة والبيت. ومن هذه الرحلة الطويلة صنعت الطبيعة بعض ملامح السويداء، وصنع أهلها بعض معانيها.






