ريمونتادا ... نتنياهو يقلب الطاولة ويستعيد العرش.
من حافة الهاوية إلى القمة: نتنياهو يعيد رسم الخارطة الإسرائيلية.

سكوب ميديا- أخبار اسرائيل
تُعد الانتخابات الإسرائيلية في محطات مفصلية عديدة درساً قاسياً في تقلبات المزاج السياسي، لكن المشهد الذي أعقب إغلاق صناديق الاقتراع حمل طابعاً استثنائياً بكل المقاييس. فقد استطاع بنيامين نتنياهو، الذي طالما نعاه المحللون السياسيون وأعلن خصومه نهاية حقبته، أن يحقق "ريمونتادا" (عودة دراماتيكية) سياسية أذهلت المراقبين، عاكساً بمهارة فائقة التناقضات الحادة والعميقة داخل الشارع الإسرائيلي.
أولاً: ريمونتادا نتنياهو.. كيف تحولت الدفة؟
لم تكن عودة نتنياهو لقمة المشهد وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة لعدة عوامل بنيوية واستراتيجية استغلها ببراعة:
حشد القواعد التقليدية واستغلال الانقسام: ركّز نتنياهو حملته على اللعب على وتر الهوية واستنفار قواعد حزب "الليكود" والأحزاب اليمينية والمتشددة (الحريديم)، مصوراً المعركة على أنها معركة بقاء واستقرار لليمين في مواجهة تشتت المعارضة.
استثمار الشعور بالأمن القومي: رغم التحديات الأمنية والضغوطات الهائلة المرتبطة بالحروب وتداعياتها الاقتصادية والاجطماعية، استطاع نتنياهو تسويق نفسه باعتباره الزعيم الأقدر على إدارة الملفات الأمنية المعقدة (وخاصة الملف الإيراني والجبهات المفتوحة)، مخاطباً الغريزة الأمنية للناخب الإسرائيلي الذي يميل أحياناً نحو التشدد في أوقات الأزمات.
تعبئة الشارع المتردد وتجاوز استطلاعات الرأي: أظهرت استطلاعات الرأي قبيل الانتخابات تقارباً شديداً ومؤشرات توحي بصعوبة موقف معسكره، إلا أن نسبة المشاركة العالية وحملات الحشد اللحظية التي قادها "بيبي" في معاقله التاريخية أسفرت عن تحول في كفة الأصوات لصالح معسكر اليمين، مقترباً تدريجياً من عتبة تشكيل الأغلبية.
ثانياً: كيف تناول الإعلام بداية النتائج؟
عكست التغطية الإعلامية لنتائج الفرز الأولية حالة من "الصدمة والارتباك"، وتراوحت ردود الفعل بين الإعلام العبري والدولي والعربي كالتالي:
الصحافة والإعلام العبري (بين الاحتفال والذهول):
سادت حالة من الحذر الشديد في الساعات الأولى لفرز الأصوات. فبينما خرجت المعارضة وقادتها (مثل غادي آيزنكوت) للاحتفال مبكراً بتقدم طفيف في استطلاعات الخروج، سرعان ما انقلبت الأمور مع بدء ظهور الأرقام الفعليّة لفرز الصناديق.
أظهرت القنوات العبرية (مثل القناة 12 و13) تحولاً دراماتيكياً في النبرة التحليلية، إذ بدأت تتكشف مؤشرات حصول معسكر نتنياهو على مقاعد قريبة جداً من حسم الأغلبية (59 مقعداً في الساعات الأولى للفرز قبل اكتمال النتائج النهائية)، مما فتح الباب أمام نقاشات ساخنة حول معركة كواليس تشكيل ائتلاف حكومي هش وصعب وسط شروط الأطراف المتشددة.
الإعلام الدولي (تحليل ما بعد الصدمة):
ركزت كبرى الصحف العالمية (مثل رويترز، ووول ستريت جورنال، وفرانس برس) على أن النتائج الأولية تعكس إصراراً غريزياً لدى جزء كبير من الناخبين الإسرائيليين على التمسك بنهج نتنياهو رغم التكلفة السياسية والقضائية والدولية المترتبة على ذلك.
أشارت التقارير الدولية إلى أن صعود اليمين مجدداً سيزيد من تعقيد العلاقات الخارجية لإسرائيل، ويضع حكومة نتنياهو المرتقبة أمام تحديات جبارة تتعلق بإدارة الأزمات الاقتصادية الداخلية، وتجنيد المتدينين، والضغوط الدبلوماسية الغربية.
الإعلام العربي والفلسطيني (قراءة في عمق المأزق):
تناولت وسائل الإعلام العربية النتائج باعتبارها تكريساً لاتجاه المجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من التطرف واليمينية.
سُلّط الضوء على أن عودة نتنياهو تعني استمرار السياسات العدوانية وتأبيد حالة الصراع، بغض النظر عن الأسماء، لكون المؤسسة السياسية الإسرائيلية برمتها تتحرك ضمن إطار أمني وعسكري متطابق، معتبرة أن أي ريمونتادا سياسية إسرائيلية غالباً ما يكون ثمنها مضاعفاً على استقرار المنطقة.
خاتمة المشهد
عودة نتياهو لتصدر المشهد الانتخابي تؤكد مجدداً أنه داهية السياسة الحزبية في إسرائيل وأقدرهم على تدوير الأزمات لصالح بقائه الشخصي.
إلا أن هذه العودة، التي واجهت إعلاماً محلياً ودولياً منقسماً بين مترقب ومندهش، لا تفتح الباب أمام استقرار حقيقي، بل تنبئ بمرحلة جديدة من الصراعات الائتلافية المعقدة والاستقطاب الحاد داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.






