السيول تجرف المناطق السورية وسط غياب الحلول

سكوب ميديا- سوريا
مع كل منخفض جوي حاد يضرب البلاد، تتحول الهطولات المطرية من مظاهر خير منتظرة إلى كوارث مباغتة تعري واقع الخدمة العامة والتخطيط المحلي؛ إذ تتكرر مشاهد السيول الجارفة التي تشل الحياة في عدة محافظات، لتضع المدنيين في مواجهة مباشرة مع خطر المياه العارمة في ظل غياب شبه تام للتدخل الحكومي الاستباقي أو الإنقاذ السريع.
خريطة الأزمة.. جغرافيا متسعة من الساحل إلى الشرق
لم تكن الفيضانات حادثة عابرة في نقطة معينة، بل شملت بؤراً جغرافية متعددة امتدت من الساحل إلى العمق والشرق السوري. ففي الساحل السوري بمدينتيه اللاذقية وطرطوس، تسببت الأمطار الطوفانية المنحدرة من الجبال الساحلية في غرق أحياء كاملة داخل المدن وقطع الطرقات الرئيسية، إضافة إلى فيضان المجاري المائية القريبة من الأراضي الزراعية وغمر البيوت البلاستيكية.
أما في شمال وغرب سوريا، وتحديداً في إدلب وريف حلب، فتتركز الكارثة الأكبر داخل مخيمات النازحين بالمناطق مثل أطمة وشمسين ودارة عزة، حيث تحولت الطرقات الترابية إلى أنهار من الطين وغرقت آلاف الخيام لتعزل العائلات بلا مأوى. وبالانتقال إلى المنطقة الشرقية وحوض الفرات في الحسكة ودير الزور والرقة، شهد وادي الخابور والأودية الجافة في البادية سيولاً مباغتة جرفت المحاصيل الزراعية على ضفاف الأنهار، وأجبرت قاطني القرى والبيوت الطينية على الإخلاء العشوائي. ولم تكن المنطقة الوسطى والجنوبية في حمص وحماة ودرعا بمعزل عن الأزمة؛ إذ تجمعت مياه السيول القادمة من المرتفعات في السهول والأودية الزراعية كسهول حوران ووديان القلمون، مما تسبب في غرق شوارع المدن الرئيسية واختناق حركة السير.
واقع الخدمة الشتوية.. تقصير متراكم وشلل في الاستجابة
أبرز ما كشفته موجات الفيضانات المتكررة هو الغياب الميداني للجهات الرسمية والمؤسسات الخدمية، بدءاً من إهمال صيانة البنية التحتية قبل فصل الشتاء، حيث تفتقر معظم البلديات ومجالس المدن لخطة تعزيل وصيانة مطريات الشوارع وشبكات الصرف الصحي، مما يسبب انسدادها الفوري مع أول هطول مطري غزير.
كما يعاني السكان من انعدام منظومات الإنذار المبكر، وغياب التحذيرات الرسمية الموجهة أو خطط الإخلاء للمناطق الأكثر عرضة لخطر السيول، لا سيما للقاطنين في مجاري الأودية ومخيمات النزوح. وتتجلى المشكلة أكثر في بطء وتواضع عمليات الإغاثة والإنقاذ، إذ تظهر فرق الدفاع المدني والإطفاء الحكومية بإمكانيات متهالكة وتفتقر للآليات الحديثة والمضخات القادرة على سحب المياه من الأحياء السكنية والأنفاق المغمورة.
يضاف إلى ذلك التغاضي المستمر عن التعديات العمرانية والبناء العشوائي فوق مجاري السيول الطبيعية، ما أدى إلى إغلاق منافذ تصريف المياه ومضاعفة حجم الفيضانات داخل التجمعات السكنية. وأخيراً، يبرز غياب التعويضات ودعم المتضررين؛ حيث تغيب خطط الطوارئ الحكومية لتعويض المزارعين والأهالي الذين فقدوا منازلهم ومحاصيلهم ومواشيهم، ليترُك المتضررون مواجهة مصيرهم بالاعتماد الكلي على المبادرات الفردية والمساعدات المحلية المحدودة.
فاتورة ثقيلة في مواجهة الطبيعة
تبقى مشكلة الفيضانات والسيول في سوريا عنواناً مستمراً لغياب التخطيط والتهميش الخدمي المتراكم؛ إذ يجد المواطن نفسه في كل موسم مطري يدفع الفاتورة الأكبر من روحه وممتلكاته، وسط حاجة ماسة لمعالجة جذورية تبدأ من إعادة تأهيل البنية التحتية ولا تنتهي بوضع خطط طوارئ حقيقية تحمي أرواح السكان وممتلكاتهم.






