جنوب اليمن.. كيف أعادت الوحدة المتعثرة إنتاج مطلب الاستقلال؟
دولة سابقة وذاكرة سياسية مستمرة

سكوب ميديا - اليمن
لم يكن جنوب اليمن مجرد منطقة تبحث عن موقع أفضل داخل دولة مركزية. فقد دخل الوحدة عام 1990 بوصفه دولة مستقلة لها مؤسساتها وتمثيلها الدولي، على أمل تأسيس شراكة سياسية جديدة. لكن المسافة بين ذلك الوعد وما أعقبه من حرب وإقصاء وانتهاكات تفسر لماذا بقي مطلب استعادة الدولة حاضرا، رغم تبدل القيادات والتحالفات وموازين القوة.
في جوهر القضية سؤال لم تغلقه العقود الماضية، هل تستطيع دولة أن تحافظ على وحدتها بمجرد التمسك بحدودها، إذا فقد قطاع واسع من سكانها الثقة بإمكان المشاركة العادلة داخلها؟
لا يقدم التاريخ الجنوبي إجابة بسيطة، لكنه يكشف أن المطالبة بالاستقلال لم تنشأ فجأة، وأن التعامل معها كملف أمني أو طموح تنظيمي يتجاهل أسبابا أعمق تتصل بالدولة والهوية والحقوق وطبيعة العلاقة التي نشأت بعد الوحدة.
دولة سابقة وذاكرة سياسية مستمرة
تثبت سجلات الأمم المتحدة أن اليمن الديمقراطي أصبح عضوا في المنظمة في 14 ديسمبر 1967، بينما تعود عضوية اليمن الشمالي إلى سبتمبر 1947. وفي 22 مايو 1990، اندمج البلدان وأصبحا ممثلين بعضوية واحدة باسم اليمن.
تمنح هذه السابقة القضية الجنوبية خصوصية مهمة. فالحديث يدور عن مجتمع عاش ضمن دولة معترف بها، ثم دخل اندماجا سياسيا مع دولة أخرى. لذلك يستند تعبير «استعادة الدولة»، المستخدم في الخطاب الجنوبي، إلى تجربة تاريخية فعلية، حتى لو بقيت كيفية استعادتها اليوم موضع تفاوض وخلاف قانوني.
ولا تعني الدولة السابقة أن العودة إليها تحصل تلقائيا، لكنها تجعل من الصعب اختزال القضية في نزعة محلية عابرة. فالذاكرة المؤسسية والسياسية، وما ارتبط بها من تصور للمكانة والتمثيل، بقيت جزءا من وعي قطاعات جنوبية بموقعها داخل اليمن الموحد.
ومن هنا، يصبح السؤال عن مصير الجنوب متصلا بما آل إليه مشروع الشراكة، وليس بمجرد رفض العيش مع سكان الشمال.
الوحدة كانت وعدا بالشراكة
تستمد الوحدة السياسية قوتها من المنافع والحقوق التي تمنحها لسكانها. فالانتماء إلى دولة واحدة يحتاج إلى شعور متجدد بالمساواة، وإلى مؤسسات تسمح بتداول السلطة وتسوية الخلافات دون اللجوء إلى السلاح.
وعندما اندمجت الدولتان، كان التحدي بناء مؤسسات مشتركة تتجاوز اختلاف التجربتين. لكن الخلافات تصاعدت وصولا إلى حرب 1994، التي انتهت بهزيمة القيادة الجنوبية واستمرار الدولة الموحدة.
بالنسبة لأنصار الاستقلال، لم تكن الحرب مجرد أزمة تجاوزتها الدولة، بل اللحظة التي اختل فيها أساس العلاقة. فقد أصبح استمرار الوحدة، في قراءتهم، مرتبطا بنتيجة عسكرية أكثر من ارتباطه بتوافق سياسي متجدد.
وهذه القراءة ليست وصفا قانونيا متفقا عليه، لكنها تفسر تحولا أساسيا في المزاج السياسي. فحين يشعر طرف بأنه انتقل من شريك في تأسيس الدولة إلى طرف مهزوم داخلها، تصبح الدعوة إلى الوحدة عاجزة عن الإقناع ما لم تقترن بمعالجة نتائج الحرب.
من المطالب الوظيفية إلى المطالبة بالدولة
تساعد نشأة الحراك الجنوبي على فهم هذا التحول. فقد وثقت «هيومن رايتس ووتش» أن احتجاجات بدأت منذ 2007 على خلفية شكاوى من معاملة السلطة المركزية للجنوبيين، بما فيها الإقصاء من الوظائف المدنية والأمنية، ثم اتجهت قطاعات من المحتجين إلى المطالبة بالانفصال واستعادة الدولة.
تكشف هذه المسيرة أن القضية لم تبدأ كلها بشعار تغيير الحدود. فقد انطلقت مطالب من داخل العلاقة القائمة، بحثا عن إنصاف وظيفي وحقوقي وسياسي، ثم اتسع سقفها عندما تراجعت الثقة بإمكان الإصلاح.
وهنا تكمن إحدى أقوى الحجج السياسية للمطالبة الجنوبية. فالمجتمع الذي يطالب أولا بإصلاح موقعه، ثم يجد أن آليات الإصلاح لا تمنحه ضمانات كافية، قد يعيد النظر في الإطار الذي ينتج مظالمه.
لا يجعل ذلك الاستقلال النتيجة الوحيدة الممكنة، لكنه يفسر لماذا لم تعد الوعود بتحسين الإدارة أو توزيع المناصب كافية لإغلاق القضية.
القمع جعل الدفاع عن الوحدة أكثر كلفة
في تقرير «باسم الوحدة»، الصادر في ديسمبر 2009، وثقت «هيومن رايتس ووتش» استخدام القوة المميتة ضد متظاهرين غير مسلحين في الجنوب، إلى جانب الاعتقالات التعسفية والاعتداء على حرية الإعلام والتجمع.
واستند التقرير إلى أكثر من ثمانين مقابلة، وسجل استخدام القوة المميتة في ست مناسبات على الأقل. وبذلك، لم تعد المظالم الجنوبية مجرد رواية تتناقلها أطراف سياسية، بل أصبحت بعض جوانبها موضوع توثيق حقوقي مستقل.
تتجاوز أهمية هذا التوثيق إثبات حوادث بعينها. فهو يكشف كيف يمكن لسياسات الدفاع عن وحدة الدولة أن تضعف الرابطة التي تزعم حمايتها. فعندما يقابل الاحتجاج السلمي بالقمع، يتراجع الشعور بأن الدولة مساحة مشتركة، ويزداد النظر إليها باعتبارها سلطة مفروضة.
وكلما أغلقت أبواب التعبير، تعززت الحجة القائلة إن المشكلة لا تتعلق بحكومة يمكن استبدالها فقط، بل بترتيب سياسي يحتاج إلى إعادة تفاوض.
تقرير المصير يعيد الإنسان إلى مركز القضية
تقرر المادة الأولى المشتركة في العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية حق الشعوب في تحديد مركزها السياسي ومتابعة تنميتها بحرية.
وتكمن أهمية هذا المبدأ في أنه يجعل السكان أصحاب مصلحة وإرادة، لا مجرد موضوع لاتفاقات الحكومات. فالدولة لا تستمد مشروعيتها من السيطرة على الأرض وحدها، بل من علاقتها بمن يعيشون عليها.
في الحالة الجنوبية، توفر هذه القاعدة أساسا للمطالبة بعملية سياسية تتيح للسكان تحديد مستقبلهم بحرية، وتضع الاستقلال ضمن الخيارات القابلة للنقاش، بدلا من اعتباره موضوعا محرما سلفا.
ويظل الانتقال إلى استقلال معترف به بحاجة إلى مسار قانوني وسياسي، إذ لا يقرر القانون الدولي حقا تلقائيا لكل إقليم في الانفصال الأحادي. لكن هذا التعقيد لا يلغي الحق في طرح القضية سلميا، ولا يبرر قمع أصحابها أو استبعادهم من التسويات.
سلامة الدولة لا تنفصل عن عدالة الحكم
يجمع إعلان مبادئ العلاقات الودية، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1970، بين تقرير المصير وحماية سلامة الدول الإقليمية، ويتناول في صياغته تمثيل الحكومة لمجموع السكان دون تمييز.
ولا يحسم هذا النص وحده النزاع الجنوبي، لكنه يوضح أن النقاش الدولي لا يتعلق بالحدود بمعزل عن الحكم والحقوق. فالدفاع عن وحدة الدولة يصبح أكثر قوة عندما تستطيع الدولة إثبات أنها تمثل سكانها وتتيح لهم المشاركة.
أما حين تتحول الوحدة إلى حجة لتعليق مساءلة السلطة، فإنها تفقد معناها التعاقدي. ويصبح المطلوب من السكان قبول الإطار السياسي دون امتلاك أدوات مؤثرة لتغييره.
لهذا، فإن الحجة الجنوبية لا تحتاج إلى إنكار أهمية الاستقرار أو سلامة الأراضي، بل إلى طرح سؤال عن نوع الاستقرار المراد حمايته، وهل يقوم على قبول السكان أم على منعهم من مراجعة علاقتهم بالدولة؟
نتيجة الحرب لا تعوض التسوية السياسية
خلال حرب 1994، دعا مجلس الأمن في قراريه 924 و931 إلى وقف القتال والحوار. وأكد القرار 931 أن الخلافات السياسية لا تحل باستخدام القوة، مع استنكاره الضحايا المدنيين والدمار الناتج عن الهجوم العسكري المستمر على عدن.
لم يمنح القراران الجنوب اعترافا بالاستقلال، ولم يفرضا استفتاء على وضعه. لكن دلالتهما السياسية تظل مهمة، إذ لم يقدما القوة العسكرية وسيلة مشروعة لإنهاء الخلاف.
ومن هذا المنطلق، لا تكفي الإشارة إلى أن الحرب انتهت وأن الوحدة استمرت للاستنتاج بأن المسألة الجنوبية سويت. فاستمرار الشكل القانوني للدولة شيء، واستعادة القبول السياسي بهذا الشكل شيء آخر.
والقضية التي تظل قادرة على حشد المطالب بعد عقود من الحرب تحتاج إلى معالجة أسباب بقائها، لا إلى تكرار نتيجة المعركة باعتبارها جوابا نهائيا.
القضية أبقى من تنظيماتها
برز المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه أحد أهم حاملي مطلب الاستقلال، لكن اختزال الجنوب فيه يضعف فهم القضية ويجعل حقوق السكان رهينة أداء قيادة بعينها.
وتشير قراءة نشرها مركز صنعاء في يناير 2026 إلى وجود قاعدة جنوبية أوسع تحمل مخاوف من التهميش وتصفية القضية، وتتفاوت داخلها المواقف من الانفصال وصيغ الحل.
وهذا يعني أن تغير قوة المجلس أو موقعه لا ينهي تلقائيا المطالب التي سبقت تأسيسه. كما أن تأييد استقلال الجنوب لا يقتضي منح أي تنظيم تفويضا دائما لاحتكار تمثيله.
بل يمكن القول إن فصل القضية عن احتكارها التنظيمي يعززها. فالمطالبة التي تقوم على إرادة السكان تستطيع أن تشمل قوى مختلفة، وأن تتحمل النقد والمنافسة وتغيير القيادات دون أن تفقد أساسها.
التنوع الجنوبي فرصة لبناء عقد أكثر عدلا
لا يتطابق سكان الجنوب في رؤيتهم للمستقبل. وتشير تحليلات كارنيغي إلى وجود قوى حضرمية تفضل تمكينا محليا وحكما ذاتيا أو ترتيبات اتحادية، وإلى تحفظات على إعادة إنتاج المركزية من أي عاصمة كانت.
يضع هذا التنوع أمام مشروع الاستقلال مسؤولية مهمة. فإذا كانت المطالبة تقوم على رفض التهميش، فينبغي أن تقدم ضمانات تمنع تكراره داخل الدولة المقترحة.
ويمكن أن تصبح هذه المسؤولية مصدر قوة عبر تصور واضح لتوزيع السلطة والثروة، وضمان صلاحيات المحافظات، وحماية المشاركة المحلية. فالدولة الجنوبية المستقبلية، إذا اختارها السكان، لا يلزم أن تعيد كل ترتيبات الدولة السابقة أو أخطاءها.
والمقنع في مشروع الاستقلال ليس مجرد العودة إلى الماضي، بل القدرة على تقديم مستقبل أكثر عدلا من التجارب التي يريد تجاوزها.
الثروة والسيادة.. من يقرر وكيف توزع العوائد؟
يتصل تقرير المصير كذلك بالقدرة على إدارة الموارد وتحديد أولويات التنمية. وهذا جانب مهم في منطقة تمتلك موانئ ومواقع بحرية وموارد طبيعية، بينما يبقى السؤال عن استفادة السكان منها جزءا من النزاع السياسي.
لكن ملكية الموارد لا تتحول تلقائيا إلى رفاه. فالاستفادة تحتاج إلى مؤسسات شفافة، واستقرار أمني، وقواعد معلنة للإنفاق والرقابة، وتوزيع عادل للعوائد بين المناطق.
لذلك تزداد قوة الحجة الجنوبية حين تربط الاستقلال بمشروع قابل للمساءلة، يشرح كيف تمول الخدمات، وكيف تدار الموانئ والموارد، وكيف تمنع المحسوبية واحتكار الإيرادات.
أما نقل سلطة التصرف بالثروة من نخبة إلى أخرى دون تغيير قواعد الحكم، فلن يحقق المعنى الذي ينتظره السكان من استعادة القرار.
الاستفتاء يحول التأييد إلى تفويض
يبقى الاختيار الشعبي الطريق الأكثر إقناعا لتحديد حجم التأييد للاستقلال أو البدائل الأخرى. فالمظاهرات تعبر عن حضور سياسي، لكنها لا تعوض اقتراعا شاملا يشارك فيه المؤيدون والمعارضون بحرية.
ويحتاج الاستفتاء إلى ترتيبات موثوقة بشأن الناخبين والنازحين وصيغة السؤال والرقابة وحرية الدعاية، مع اتفاق على كيفية التعامل مع النتيجة.
ولا يضمن التصويت وحده الاعتراف الدولي، لكنه يمنح المطلب ثقلا ديمقراطيا يصعب تعويضه بالسيطرة المسلحة أو بيانات القيادات. كما يتيح للجنوبيين إثبات أن مستقبلهم ليس قرار طرف يتحدث باسمهم دون اختبار.
وبالنسبة للمؤيدين، ينبغي ألا يكون عرض البدائل مصدر خوف. فالمشروع الواثق بقاعدته وبقدرته على الحكم يستمد قوته من الاختيار الحر، لا من حجب المنافسين.
دولة تحفظ الحقوق ولا تعيد إنتاج الإقصاء
تكتمل الحجة السياسية للاستقلال عندما تقترن بضمانات واضحة للمقيمين والمخالفين، بمن فيهم المنحدرون من الشمال، وبحماية الملكية والعمل وحرية التنقل من التمييز والعقاب الجماعي.
كما تحتاج إلى التزام بمؤسسات مدنية وانتخابات وقضاء مستقل وحقوق النساء وحرية الصحافة.
هذه الضمانات جزء من جوهر القضية. فمن يطالب بأن يعترف الآخرون بحقه في تقرير مستقبله، يصبح مطالبا بحماية الحقوق نفسها داخل المجتمع الذي يريد بناء دولته.
وعندها يتحول الاستقلال من تعبير عن رفض الماضي إلى مشروع حكم يمكن تقييمه ومحاسبته.
المسألة التي لا تغلقها الشعارات
تمنح تجربة الدولة السابقة، واختلال الشراكة، وحرب 1994، والانتهاكات الموثقة، المطالبة الجنوبية ثقلا تاريخيا وحقوقيا يصعب تجاوزه. وتفسر هذه العناصر لماذا بقي الاستقلال خيارا حاضرا، ولماذا لا تكفي التسويات التي توزع المناصب دون معالجة أصل العلاقة.
صحيح أن الموقف الدولي القائم يتمسك بوحدة اليمن، وأن الاعتراف بدولة جنوبية يحتاج إلى تفاوض وترتيبات تتجاوز إعلانها. لكن بقاء هذا الموقف لا يجعل تجاهل إرادة السكان حلا مستداما.
فالاستقرار لا يتحقق بإلزام مجتمع بالبقاء داخل صيغة فقد ثقته بها، بل بإتاحة فرصة جدية لإعادة بناء القبول أو اختيار علاقة سياسية أخرى عبر مسار سلمي وموثوق.
وفي هذا المعنى، تستمد المطالبة الجنوبية قوتها من فكرة أن الوحدة ينبغي أن تبقى شراكة قابلة للحياة، لا التزاما أبديا لا يحق للسكان مناقشته. وإذا تعذر تجديد تلك الشراكة على أسس عادلة، يصبح التفاوض على الاستقلال خيارا سياسيا يستحق البحث، لا قضية يمكن إنهاؤها بالإنكار أو بالقوة.






