الكالتشيو في مهب الريح !!
قصة تراجع وتسويق الدوري الإيطالي في العقد الأخير ؟!

سكوب ميديا - رياضة
عاش الدوري الإيطالي لكرة القدم (الكالتشيو) عصراً ذهبياً في تسعينيات ومطلع أوربيات القرن الماضي، حيث كان الوجهة الأولى لأعظم نجوم العالم والبطولة الأكثر متابعة وإثارة على كوكب الأرض.
لكن بالنظر إلى العقد الأخير يبدو المشهد مختلفاً تماماً فقد فقد "الكالتشيو" الكثير من بريقه وجاذبيته التجارية متراجعاً خلف الدوري الإنجليزي الممتاز والدوري الإسباني بل وأصبح يواجه صعوبات هيكلية وضعت قيمته التسويقية في المحك !!
فما هي الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع التسويقي الحاد وفق التقييمات والاقتصادات الكروية؟
اتساع الفجوة المالية وعجز عوائد حقوق البث التلفزيوني :
تعتمد كرة القدم الحديثة بشكل أساسي على لغة الأرقام وفقاً لتقارير مؤسسة ديلويت (Deloitte) المالية لمبيعات ودوريات كرة القدم ، فشهدت الفجوة الاقتصادية بين الدوري الإيطالي ونظرائه اتساعاً هائلاً ! حيث تسجل إيرادات الدوري الإيطالي الإجمالية مقادير تصل لحوالي 2.7 إلى 3 مليارات يورو، مقارنة بأكثر من 6 مليارات يورو للدوري الإنجليزي الممتاز وأكثر من 4 مليارات يورو للدوري الإسباني.
وفي تغطية أعدتها وكالة رويترز (Reuters) حول عقود حقوق البث، فشلت رابطة الدوري الإيطالي مراراً في تحقيق أهدافها المالية لمبيعات الحقوق الخارجية في الأسواق الآسيوية والأمريكية حيث انخفضت القيمة الاستثمارية للبث الدولي مقارنة بـ "البريميرليغ" الذي تبث مبارياته عالمياً بعقود تاريخية تتيح حتى لأندية الوسط الإنجليزية قدرات شرائية تتجاوز كبار إيطاليا.
أزمة البنية التحتية والملاعب المتقادمة:
تعد الملاعب الرياضية واجهة المنتج الترفيهي لكرة القدم وفي حين قامت الأندية الكبرى في إنجلترا وإسبانيا وألمانيا بتحديث ملاعبها أو بناء صروح حديثة متعددة الاستخدامات تدر أرباحاً هائلة، تعاني معظم أندية الدوري الإيطالي من ملاعب قديمة ومتهالكة تعود لمعظمها لحقبة كأس العالم 1990 أو ما قبلها.
وأشارت صحيفة ماركا (MARCA) الإسبانية في تحليل مالي لأوضاع الكالتشيو إلى أن إيرادات أيام المباريات (Ticketing & Matchday) لا تمثل سوى 10% إلى 15% تقريباً من إجمالي دخل الأندية الإيطالية بسبب ملكية البلديات للملاعب وتعقد الإجراءات البيروقراطية لتحديثها. كما أوردت تقارير شبكة بلومبرغ (Bloomberg) العالمية أن هذا البطء في التحديث تسبب في موجة قلق لدى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (UEFA)، لدرجة تهديد سحب استضافة مباريات نهائية واستحقاقات كبرى مثل "يورو 2032".
الهيكل الاقتصادي الهش وتراكم الديون:
بحسب ما نقلته وكالة فرانس برس (AFP) والتقارير المالية الصادرة عن الاتحاد الإيطالي لكرة القدم (FIGC) أدت أزمة كورونا وما تلاها إلى تراكم خسائر محاسبية تجاوزت 4 مليارات يورو في الأندية الإيطالية في السنوات الأخيرة ،هذا التعثر المالي ينعكس مباشرة على تسويق البطولة حيث تضطر الأندية إلى تحويل النموذج الاقتصادي نحو بيع نجومها لتحقيق أرباح رأسمالية (Capital Gains) لتغطية العجز التشغيلي بدلاً من البناء المستدام ،ووفقاً للبيانات تحمّلت عدة أندية إيطالية كبرى كتل رواتب وتكاليف تشغيلية تتجاوز 80% من إيراداتها الإجمالية، مما وضعها تحت طائلة عقوبات اللعب المالي النظيف وقيد قدرتها على الاستثمار التسويقي.
فقدان النجوم الكبار وتحول الدوري إلى "محطة عبور":
في الماضي كان الكالتشيو الملاذ الأول لعمالقة اللعبة أمثال مارادونا، زيدان، ورونالدو الظاهرة أما في العقد الأخير تحول الدوري الإيطالي تدريجياً إلى بيئة لتطوير اللاعبين الشباب أو استقطاب النجوم في أواخر مسيرتهم الكروية. وفي تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإيطالية (ANSA) لعدد من كبار المدربين مثل كارلو أنشيلوتي أشير إلى أن عجز الأندية الإيطالية عن منافسة الرواتب الفلكية في الخارج أدى إلى خروج أسماء عالمية وافتقار البطولة للاعبين يجذبون الرعاة والجمهور الشاب حول العالم. ورغم تجارب مؤقتة مثل صفقات استثنائية لكريستيانو رونالدو أو زلاتان إبراهيموفيتش إلا أنها لم تكن ضمن مشروع تسويقي شامل طويل الأمد.
بطء الإيقاع والبطء التكتيكي في العرض التلفزيوني:
على الصعيد الفني والتسويقي للمنتج البصري ذكرت صحيفة ليكيب (L'Équipe) الفرنسية في دراسات تحليلية أن القيمة الترفيهية للمباريات تراجعت بفعل كثرة التوقفات والاهتمام المفرط بالحذر الدفاعي والتكتيكي على حساب سرعة وإيقاع اللعب فالمشاهد العالمي المعاصر يميل نحو الكرة السريعة وذات الهجمات المتبادلة المتوفرة في الدوري الإنجليزي والألماني، مما جعل المباراة الإيطالية تسويقياً أقل جاذبية للشريحة الشابة من المشاهدين.
خلاصة:
إن ضعف تسويق الدوري الإيطالي لكرة القدم في العقد الأخير لم يكن وليد الصدفة بل كان نتيجة تراكمات مالية وبنية تحتية غير مستغلة تجارياً وغياب خطة تسويقية رقمية موحدة للرابطة عبر القارات ورغم دخول استثمارات وصناديق ملكية خاصة أمريكية وأجنبية لعدة أندية إيطالية مؤخراً لإصلاح الهيكل المالي إلا أن إعادة الكالتشيو لعرشه التسويقي تستلزم ثورة جذرية في تجديد الملاعب وصياغة عقود بث عالمية وشجاعة استثمارية تعيد سحر كرة القدم الإيطالية إلى الواجهة.






